الشيخ محمد رشيد رضا

193

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من الأصول والقواعد الا ما هو قيام لمصالحكم ومنافعكم ، وهو على كونه خبر في نفسه أحسن تأويلا أي مآلا وعاقبة لأنه يقطع عرق التنازع ، ويسد ذرائع الفتن والمفاسد الأستاذ الامام : قيل إن الشرط متعلق بالأخير وهو الرد إلى اللّه والرسول والغرض منه تذكيرهم باللّه حتى لا يستعملوا شهواتهم وحظوظهم في الرد وقيل متعلق بكل ما تقدم من طاعة اللّه وطاعة الرسول وأولي الامر ، وهو الظاهر وجمهور المفسرين على أنه تهديد من اللّه تعالى لمن مخالف أمرا من هذه الأوامر وإخراج له من حظيرة الايمان ، ومعنى كونه خيرا انه أنفع من كل ما عداه ولو جرى المسلمون عليه لما أصابهم ما أصابهم من الشقاء فقد رأينا كيف سعد المهتدون به وكيف شقي الذين أعرضوا عنه واستبدوا بالامر ، وأما كونه أحسن تأويلا فهو أن الأوامر والاحكام انما تكون صورا مغفولة وعبارات مقولة حتى يعمل بها فيظهر فائدتها وأثرها ، فعلمنا بالآخرة ليس الا صورا ذهنية لا نعرف الحقائق التي تنطبق عليها الا إذا صرنا إليها أقول تلك أصول الشريعة الاسلامية المدنية السياسية القضائية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ولا تبصر فيها غلا ولا قيدا ، وليس فيها عسر ولا حرج ، ولا مجال فيها للاضطراب والهرج ، ولكن لم يعمل بها الا الخلفاء الراشدون عليهم الرضوان ، بحسب ما اقتصته حل الأمة في ذلك الزمان ، فكانوا مع ذلك حجة اللّه على نوع الانسان ، إذ لم تكتحل بمثل عدلهم عين الدنيا إلى الآن ، وإذا كان اللّه تعالى قد أكمل لنا بالاسلام دين الأنبياء أصولا وفروعا ووضع لنا أصول الكمال للشريعة المدنية ووكل الينا أمر الترقي فيها بمراعاة تلك الأصول فكان ينبغي لنا بعد اتساع ملك الاسلام ودخول الممالك العامرة التي سبقت لها المدنية في دائرة سلطانه ان نرتقي في نظام الحكومة المدنية ويكون خلفنا فيها أرقى من سلفنا لما للخلف من أسباب ووسائل هذا الترقي ولكنهم حولوا الحكومة عن أساس الشورى كما تقدم وأضاعوا الأصول التي أمروا بإقامتها في هذه الآية فجرى أكثرهم على أن أولي الامر هم افراد الامراء والسلاطين ، وان كانوا جائرين ، ومنهم من قال إنهم العلماء المجتهدون في الفقه خاصة ثم قالوا إنهم قد انقرضوا وانه لا يجوز أن يخلفهم أحدون